من الشعبوية السياسية إلى الفشل المالي: تشريح تداعي السياسة النقدية للإطار التنسيقي
علي الربيعي تأتي الخطوة الأخيرة المعنية بإقرار سعر الصرف عند 1520 ديناراً للدولار لتكشف بصراحة عن مأزق بنيوي عميق في فلسفة إدارة الدولة المالية..

علي الربيعي*
تأتي الخطوة الأخيرة المعنية بإقرار سعر الصرف عند 1520 ديناراً للدولار لتكشف بصراحة عن مأزق بنيوي عميق في فلسفة إدارة الدولة المالية؛ أزمة إدارة تعتمد على الحلول الجزئية والترقيعية المؤقتة بدلاً من الرؤى الهيكلية الشاملة. وتتجلى هذه الفجوة في كفاءة إدارة السياسة النقدية بشكل صريح عند إجراء مقارنة اقتصادية بين سلوك الحكومة الحالية في بداية ولايتها الثنائية المقترنة بالإطار التنسيقي، وبين منهجية إدارة الأزمات المعقدة القائمة على الدراسات الاستباقية والتخطيط السيادي.
ومع الإدراك التام بأن تفاصيل الملف المالي العراقي تشوبها تعقيدات هيكلية ومتغيرات قد يطول التشعب فيها، إلا أن التقييم الأصدق لأي سياسة نقدية لا يُقاس بالمبررات النظرية، بل يُحاكم حكراً بناءً على النتائج الملموسة على الأرض؛ وما آلت إليه الخزينة العامة والقدرة الشرائية للمواطنين بين تجربة وأخرى.
أولاً: المكايدة النقدية والشعبوية السياسية
تُبرز القرارات الأخيرة حالة نادرة من التناقض والتذبذب الإداري والمالي. فمع تشكيل الحكومة الأولى للإطار برئاسة محمد شياع السوداني، جاء قرار تخفيض سعر الصرف رسمياً إلى 1300 دينار؛ لا بناءً على مؤشرات السوق أو دراسات علمية، بل في خطوة شعبوية سريعة لامتصاص التذمر، وبدافع "المناكفة والنكاية السياسية" بالخطوات الإصلاحية للحكومة التي سبقتها (حكومة مصطفى الكاظمي).
واليوم، مع بداية ولاية الحكومة الثانية للإطار التنسيقي (والتي تنحدر من ذات المنبع والغطاء السياسي الأصلي)، تعود الحكومة لترفع السعر رسمياً إلى 1520 ديناراً كإجراء اضطراري نتيجة ضغوط الواقع وتلاشي القدرة على تثبيت السعر الوهمي، مما أدى إلى:
تأكل القدرة الشرائية: انخفاض الملاءة المالية لفئات الدخل المحدود وتلقي الشارع صدمة تضخمية دون توفير شبكات أمان كافية.
إرباك البيئة الاستثمارية: انعدام الثقة في القرارات الحكومية المتذبذبة يدفع التجار إلى الاحتفاظ بالعملة الأجنبية وتخزين السيولة بدلاً من ضخها في السوق المحلي.
غياب الرؤية الشاملة: اتخاذ قرارات نقدية مجردة بعزل تام عن إصلاحات هيكلية حقيقية في المنافذ الحدودية والقطاعات الإنتاجية.
ثانياً: استقلالية القرار وجرأة الإصلاح الاستباقي
على العكس من الحلول الارتجالية والمكايَدات السياسية، تميزت تجربة الإدارة المالية في عام 2020 (والتي أطرتها الورقة البيضاء) بجرأة استثنائية واستقلالية سيادية عالية في اتخاذ القرارات الاقتصادية المبدئية، وذلك على الرغم من تزامنها مع أزمة عالمية خانقة تمثلت في:
1. انخفاض أسعار النفط إلى مستويات قياسية.
2. التبعات الشديدة لظرف جائحة كورونا.
3. التضخم العالمي المرتفع في سلاسل الإمداد.
وعلى الرغم من أن تلك الخطوات كانت "مؤلمة آنياً"، إلا أنها اتُّخذت وفق رؤية استراتيجية مصممة لبناء استقرار منتج وحماية مقدرات الوطن مستقبلاً.
ثمار التخطيط العلمي والاستباقي:
ميراث مالي متين: أورثت تلك المنهجية الجريئة للبلاد فائضاً مالياً واحتياطياً نقدياً تاريخياً تجاوز 97 مليار دولار، مما وفر قاعدة صلبة ومريحة للمالية العامة.
إجراءات حماية موازية: التخطيط لرفع مخصصات شبكة الحماية الاجتماعية وتفعيل آليات دعم طبقات المجتمع الأكثر هشاشة لتخفيف الصدمة قبل نفاذ القرار.
إصلاح هيكلي مكتوب: طرح خارطة طريق محددة لإصلاح النظام المصرفي والسيطرة على الإنفاق العام بدلاً من الاعتماد الكلي على ريع النفط.
ثالثاً: الترقيع أم الإصلاح الهيكلي؟
تثبت المؤشرات الاقتصادية أن تحريك أسعار الصرف ليس مجرد قرار رقمي يُتخذ داخل أروقة السياسة، بل هو عملية ربط دقيقة بين أدوات السياسة النقدية والمالية.
الخلاصة
تثبت تجربة رفع السعر الأخيرة لـ 1520 ديناراً أن إدارة الاقتصاد بالحلول الترقيعية أو المناكفات السياسية لا تنتج إلا الهشاشة والإرباك؛ إذ شتان بين قرارات سيادية تُتخذ بشجاعة ودراسة حقيقية لتتحمل الآلام اللحظية من أجل بناء مستقبل الوطن وتوريد الفوائض المالية، وبين خطوات اضطرارية تُلقي بظلالها على المالية العامة لتورث خزائن مجهدة ومديونية عالية.
ومع هذا القرار الجديد، يبقى الاقتصاد العراقي معلقاً في قادم الأيام بانتظار النتائج المحتملة.. ما بين الكارثية والأكثر كارثية.
*جميع الآراء تعبر عن رأي صاحبها.


